عمر فروخ

179

تاريخ الأدب العربي

فكادت تحدث فتنة في البلد فاضطرّ المؤيد إلى التنقّل بين شيراز وبسا « 1 » والأهواز متخفّيا حينا وغير متخفّ حينا آخر . وبعيد سنة 437 ه ( 1046 م ) انتقل المؤيّد في الدين إلى مصر مركز الدولة الفاطمية آنذاك . ولكنّ الوزير صدقة بن يوسف الفلاحيّ « 2 » وآخرين من رجال الدولة الفاطمية حالوا بينه وبين الاتّصال بالخليفة المستنصر الفاطميّ مدة لأنهم لم يريدوا أن يشركهم في الدولة منافس جديد ( ولذلك كانوا قد حجبوا المستنصر واستبدّوا بجميع أمور الدولة ) . غير أن المؤيّد في الدين استطاع الاتصال بالمستنصر في آخر شعبان من سنة 439 ه ( 20 / 2 / 1048 م ) ثم أخذ نفوذه يعظم في الدولة الفاطمية وأخذت مكانته ترتفع . ثم افتتح المؤيّد في الدين عهدا من المراسلة بينه وبين شيعة العراق للقضاء على الخلافة العبّاسية السّنّيّة لأخذ البيعة للخليفة الفاطمي ، وكان رأس هذه الحركة في العراق رجلا يعرف بالبساسيريّ « 3 » . ومع أن البساسيريّ استطاع أن يبسط شيئا من النفوذ على واسط والبصرة وعلى بغداد نفسها وإقامة الخطبة للفاطميين « 4 » ، بينما كان المؤيد في الدين قد استمال نفرا من الولاة في شماليّ الشام وعددا من القبائل ثم دخلت جيوشه ودعاته إلى الموصل وحلب ، فإنّ مجيء السلاجقة بقيادة أرطغرل بك قد بدّل الحال وقضى على الحركة الفاطمية في المشرق . عاد المؤيّد في الدين إلى مصر حيث خلع عليه لقب داعي الدعاة ( 450 ه - 1058 م ) « 5 » . غير أن حياته بعد ذلك اكتنفها الغموض الكامل . ولعلّ وفاته كانت سنة 470 ه ( 1077 م ) أو بعد ذلك بقليل .

--> ( 1 ) بسا أو فسا بلدة في إيران إلى الجنوب الشرقي من شيراز . ( 2 ) كان الفلاحي يهوديا ثم أسلم وولي الوزارة ، سنة 440 ه ( 1048 - 1049 م ) وقتل في السنة نفسها ( 3 ) البساسيري أحد قواد الجند الديلم من مدينة بسا أو فسا . وكانت الدعوة الفاطمية منتشرة في الديلم منذ كان المؤيد في إيران قبل انتقاله إلى مصر ( راجع فوق ص 143 ) . ( 4 ) الخطبة : خطبة الجمعة والعيدين ، وفيها يذكر اسم الخليفة . فذكر اسم شخص في الخطبة معناه مبايعته بالخلافة . ( 5 ) داعي الدعاة كان في الدولة الفاطمية صاحب منصب سام فهو رئيس الدعاة . والداعي هو الذي يأخذ العهد وينشر الدعوة بين المستجيبين ، فنسبة داعي الدعاة إلى الامام ( الخليفة الفاطمي ) كنسبة الوصي إلى الناطق . وللناطق ( الذي يبلغ الوحي عن جبريل عن اللّه ، كمحمد رسول اللّه مثلا ) . التنزيل : ( قبول الوحي وإلقاؤه على من حوله ) . أما الوصي ( الذي يوصي الرسول به للناس حتى يتبعوه ، كعلي بن أبي طالب مثلا ) فله التأويل -